علي القرم ، كلمة وفاء

علي القرم ، كلمة وفاء

 

  ( إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا أبا إيهاب لمحزونون ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون )

ليس علي القرم أول من عرفت من رجال الأعمال المكافحين الناحجين، لكنه أنموذج متفرد بينهم، كان المال في يده يتخذه لإسعاد نفسه ومن حوله ممن يعول ومن أرحامه ومن يرى لهم عليه حقاً بشكل من الأشكال ، وقد قلت له مرة : إن كثيراً غيرك من الأغنياء لا يملكون أموالهم بقدر ما تملكها البنوك ، فلا تكاد النعمة تظهر عليهم إلا بقدر وكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى :”وأما بنعمة ربك فحدث”، لكن هذه الآية كانت تعيش في فكر علي القرم حتى إنه ليسمع بحديثه عن النعمة وشكره عليها كل من خالطه .

 كان تعرفي على رئيس هيئة المديرين في جامعة الزيتونة ومؤسسها الأول علي القرم -رحمه الله- قبل خمسة وعشرين عاماً، وتحديداً في صيف عام 1995م بعد عام من التحاقي بالجامعة مدرساً للمواد الشرعية في كلية الحقوق، ومن اللحظة الأولى رأيت رجلاً غير الذي عرفت من أصحاب الأعمال ، رجلاً إذا تكلم كان كأنه خطيب خطب، وإذا صمت تكلمت هيبة لا مثيل لها عند أقرانه.

ليس أبو إيهاب -رحمه الله- من دلني على جامعة الزيتونة ولكنه وجدني في أفيائها، ولم أجهد في البحث عنه لأن حضوره كان فيها يبلغ حد الضرورة.

عرفته في مناسبة عزاء زميلنا الراحل د. عادل جميل -رحمه الله- أحد المدرسين المالكين لبعض أسهم الجامعة، ومن يومها أعطاني من الاهتمام ما جعله يختارني خطيباً لمسجد سيدنا علي التابع للجامعة الذي أنجز بناؤه بعد ذلك بعامين، كنا في علاقتنا نشرق ونغرب في أنحاء الأردن الحبيب لكن ذلك كله كان في ظلال المسجد همه الكبير رعاية ومتابعة وخشية على المسيرة من الكدر والحسد والغرض، صحبته في بعض الزيارات لمسؤولين فرأيت فيه الحريص على الوطن بحرصه على الصدق وأمانة الموقف والكلمة المخلصة، وصحبته إلى دار القرآن في مسجده الذي بناه في البقعة قبل أربعين عاماً، وشهدت معه مواسم رمضانية متتابعة في رعاية حفظة كتاب الله ومكافأتهم على ذلك.

كانت متعة علي القرم كبيرة في دفاعه عن المظلومين واتخاذه المواقف الرجولية في وجه المدعين.

ملأ حب فلسطين قلبه فلم ينس قريته التي خرج منها -حرم سيدنا علي- التي أسماها الصهاينة اليوم هيرتزليا، لكنه رسخ إسلاميتها وعروبتها بتجديد بناء مرقد علي بن عليم حفيد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-  فبنى فيها مسجداً يليق بتاريخها على نفقته الخاصة.

كانت الأردن في نفس علي القرم ليست مجرد بيئة استثمار لكنها عاشت في خلده معشوقة بذل في خدمتها عمره وماله وفكره.

لم يقتصر انتماء أبي إيهاب على آل القرم وكانت أسرته ممتدة لتطال كل محب وكل محتاج وكل مخلص في آن معاً.

لم يداهن علي القرم أهل السياسة لأجل تسهيل مصالح اقتصادية فأخلص القول من قلب محب وفم مفعم بالصدق بعيداً عن حساب الربح والخسارة.

كان حريصاُ على أصدقائه وخلانه يديم اللقاء بهم في الجامعة وفي مزارعه، ويصحبهم بسيارته إلى أماكن فيها البر والصلة والمواقف الاجتماعية فلا يترك مناسبة إلا اغتنمها للتواصل مع الناس ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم .

كثير من الأغنياء يتبرعون ويجودون، لكن أبا إيهاب كان عنده فهم رفيع لفلسفة الزكاة والعطاء، وكان ينعى على من لم يفهم هذه الفلسفة، وكان ينسب الفضل لأهله فيقول غير مرة : لقد تعلمت هذا من الشيخ محمد  أبو سردانة -رحمه الله-.

كان إذا صحب أهل العلم الشرعي قدمهم على نفسه في المسير وفي تناول الواجب عند المضيف وطالما قال لي : “أهل العلم أولا يا شيخ”، لقد كان يفتخر بالعلماء والمشايخ فإذا قيل له عن شيخ هذا دكتور قال : المشيخة مقدمة على الدكترة.

أبو إيهاب صاحب “كاريزما” لا يملكها كثير من المسؤولين ورجال العمل العام، وكان لديه من الخبرة والحنكة والحكمة ما يفيض به على حملة الشهادات العليا، وهو الذي سمعت منه مرات عدة إنه لم ينل درجات في العلم ولكن الدنيا علمته، وما جلس معه أحد من أصحابه أو معارفه على تنوع تخصصاتهم إلا أفاد من خبرته وحنكته.

لست مستقصياً في هذه السطور غير أني أختم بما لا يجوز أن أغفله : لقد ترك علي القرم -يرحمه الله- ذرية أحسبها صالحة، عرفت أبناءه طوال سنوات فوجدت لهم من الأدب وحسن السمت وطيب المعشر ما لا يملك كثير من أبناء غيره، وإني لأسأل الله تعالى أن يعينهم على متابعة المسيرة وقد ترك لهم والدهم سيرة أتعبت من بعده ولا ريب، لكنهم جديرون إن شاء الله بأن يسيروا على دربه وأن يكملوا مسيرته ويحافظوا على إرث أدبي هو في الميزان أثقل من أموال الدنيا ومتاعها.

إلى جنات الله أبا إيهاب معاهدين روحك الطاهرة ألا نخذلك وأنت في جوار ربك، وما كانت هذه السطور إلا وفاء لمسيرة لا نرتجي بعدها أكثر من رضوان الله بعيدا عن لعاعة الدنيا التي مضيت وتركتها خلفك ولن يخلد فيها بعدك أحد ولا ينفع تاركها إلا عمل صالح ونية خالصة نسأل الله ألا يحرمك أجرهما، وإلى لقاء على حوض المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.

.

بقلم الدكتور احمد شحروري